ابن ميثم البحراني
51
شرح نهج البلاغة
سماعه القلوب الصلبة الثابتة ويظنّ سامعه أن تحته نجدة وثباتا وهو قولهم مثلا في مجالسهم : إنّه لا محلّ لخصومنا ، وإنّا سنفعل بهم كذا ، وسيكون منّا كذا . وأمثاله . واستعار لفظي الصمّ الصلاب من أوصاف الحجارة للقلوب الَّتي تضعف من سماع كلامهم كما شبّه القرآن الكريم بها : « فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » . وأمّا أفعالهم فهو تعقيب هذه الأقوال عند حضور القتال ودعوتهم إلى الحرب بالتخاذل وعدم التناصر والتقاعد عن إجابة داعي اللَّه وكراهيّة الحرب والفرار عن مقاتلة العدوّ ، وكنّى بقوله : قلتم حيدي حياد . عن ذلك ، وهى كلمة كانت تستعملها العرب عند الفرار . ثمّ أردف ذلك بما العادة أن يأنف منه من يطلب الانتصار به على وجه التضجّر منهم عن كثرة تقاعدهم عن صوته . وذلك قوله : ما عزّت دعوة من دعاكم . المستلزم للحكم بذلَّة داعيهم ، ولا استراح قلب من قاساكم . المتلزم للحكم بتعبه ، وقوله : أعاليل بأضاليل . خبر مبتدأ محذوف أي وإذا دعوتكم إلى القتال تعللَّتم بأعاليل هي باطلة ضلالا عن سبيل اللَّه وسألتموني التأخير وتطويل المدّة دفاعا ، وقوله : دفاع ذي الدين المطول . يحتمل أن بكون تشبيها لدفاعهم له بدفاع ذي الدين فيكون منصوبا محذوف الجار ، ويحتمل أن يكون قد استعار دفاع ذي الدين المطول لدفاعهم فيكون مرفوعا ، ووجه الاستعارة أنّ المدين المطول أبدا مشتهي لعدم المطالبة وتودّ نفسه أن لا يراه غريمه فكذلك فهم عليه السّلام منهم أنّهم كانوا يحبّون أن لا يعرض لهم بذكر القتال ولا يطالبهم به . فاستعار لدفاعهم الدفاع المذكور لمكان المشابهة ، ثمّ نبّههم على قبح الذلّ ليفيؤوا إلى فضيلة الشجاعة بذكر بعض لوازمه المنفرة وهو أنّ صاحبه لا يتمكَّن من رفع الضيم عن نفسه ، وعلى قبح التواني والتخاذل بأنّه لا يدرك الإنسان حقّه إلَّا بضدّ ذلك وهو الجدّ والتشمير في طلبه ، ثمّ أعقب ذلك بالسؤال على جهة الإنكار والتقريع عن تعبين الدار الَّتي ينبغي لهم حمايتها بعد دار الإسلام الَّتي لا نسبة لغيرها إليها في العزّ والكرامة عند اللَّه ووجوب الدفع عنها والَّتي هي موطنهم ومحلّ دولتهم . كذلك قوله : ومع أيّ إمام بعدي تقاتلون . وفيه تنبيه لهم على أفضليّته وما وثق به من إخلاص نفسه للَّه في جميع حركاته ، وتثبيت لهم على طاعته إذ كان عليه السّلام يتوهّم في بعضهم الميل إلى معاوية والرغبة